ابو نايف
28-09-2009, 02:08 AM
خرج نور الرسالة المحمدية ، في وقت يسوده الجهل والظلام ، والظلم والإلحاد ، لا يُعرف للإنسان قيمة ، ولا يعرف للمرأة حقها ، سرقة ونهب ، خلسة للأموال بلا راعي يسأل ، السلاح الأقواء والأعتى القوة والسيطرة ، فنبثق نور تلك الرسالة ليغير مجرى الحياة البئيسة ، وتلك المفاهيم السقيمة ، التي قد أوهنها الجهل ، فنشر الوعي بين الناس ، وبصرهم بحق خالقهم أولاً وبحقوق المخلوقين ثانياً ، وأعلمهم بقيمة الذي يقطنوا معهم في هذه الحياة وفي هذا الكون الفسيح ، فأعطى الحقوق إلى أهلها ، فلا ظلم ولا بخس كل بحسبه ، وأخذ على يد الظالم وأدبه ، وأعطى المرأة حقها من العيش بعد أن كان مصيرها الدفن وهي حية أو سقوطها في الرذيلة ، وأخذ على يد الظالم وأدبه وبصره بحق المظلوم وحقوق الناس من حوله ، عصم دماء المخلوقين ففي الحديث عن ابن عمر "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسولَ الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " رواه البخاري ومسلم ، حسّن العلاقات بين الناس فجعلهم كلحمة واحدة لا فرق بينهم إلا بالتقوى وخير شاهد على ذلك عقد المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين ، جعلهم ينظرون إلى البشرية بعين واحدة لا تنقّص ولا ازدراء ، وإن من روائع الدين الحنيف التي لا تنتهي ، إقامته لتك العلاقة الأسرية التي تقوم على المودة والرحمة بدل تلك العلاقات الجاهلية التي مبناها على السفاح والاغتصاب فقال ﭽوجعل بينكم مودة ورحمة ....)الروم: ٢١، الألفة والمحبة تسود في تلك العلاقات وهي البذرة الأولى والنواة الأصيلة لإقامة مجتمعات سوية ، تَعرف طريق النور والصلاح ، طريق الفرح والإسعاد ، طريق عمارة الأرض بكل صالح ومفيد ، وإن إقامة مجتمعات رائدة في هذا الكون يعتمد أولاً وأخراً على مدى نجاح تلك العلاقات الأسرية ، ولا شك أن ما وصلنا له اليومَ لهو طريق يوحي للجميع بأننا سنسير في يوم من الأيام في طريق الصلاح والخير ولكنه يحتاج منا إلى جهد عظيم فإن زمن التخلف قد طال فينا ، وينقص ليحل زمن الريادة مجموعةً من تلك الأسر التي لم تعي دورَها الحقيقي في المجتمع ، ولم تعرف الفائدة المرجوة من إقامة الأسر على المنهج السديد والطريق القويم .
لننظر ولنتأمل عزوف كثير من الآباء والأمهات عن أبنائهم ، واشتغالهم بالدنيا بطريقة مسرفة وزائدة عن الحد المطلوب ، فهو يتصور كل التصور ، بأن إقامة الأسرة الناضجة هو عبر عبير المادة والمال ، وآخرون ابتلاهم الله بقلة المال فأخذ يربي أبنائه على جمعه واكتسابه بكل طريقة حتى ولو كانت محرمة ، وأنه هو الهدف الأساسي والركيزة الأصلية في بنية المجتمع التحتية ، فوقعت كل العائلة في المخدرات والمسكرات فالأب والابن كلهم في تلك التجارة البخيسة ،وإن الألم ليعتصر أحدنا ماهو مصير البنات في ذلك البيت ، فتهافت الغرباء عليه يوحي لك بشر قريب مستطير ، سيحاسب الوالد أشدَ المحاسبة وسيندم أشدَ الندم ولات حين مندم ، وعند سيطرة ثقافة المال على عقول الأباء ماذا ترجو منهم للعمل في أسرهم والاهتمام بهم .
فهذا رجل لا يراه أولادُه إلا أندر من النادر ، فيظهر جليا لهم عند نهاية الشهر من أجل جباية الأموال من الأولاد وجمهعا ، ليغرقوا بعد ذلك في الديون التي لا طاقة لهم بتحملها ،
فكم من ابن قد ترك عمله ومصدر رزقه بسبب أباه ؟ الذي قد بلغ في الجشأ والطمع أقصاه، وتناسى الوالد أن هذا الابن مثله يطمح في إقامة أسرة متكاملة هو من يجمع شتاتها .
ولا نغفل جانبا وهو أن التقصير حاصل من جهة الأبناء مع أبائهم ولكن ما هو السبب في هذا التقصير ؟ أسأل نفسك أيها الأب الفاضل أسألي نفسك أيتها الأم العطوفة ، قفوا مع أنفسكم وقفة صادقة صارمة وتفحصوا ما هو السبب وراء تقصير الأبناء ، كثير من الأباء يتسائل وفرت لهم كل شيء ، فماذا يريدون مني ، وأنا أسأله ماهو السبب في انحراف ابنك ؟ ما هو السبب في انحراف ابنتك ؟ علاقات محرمة ومكالمات هاتفية طويلة مزيفة ، جلوس أمام أجهزة الحاسب مدة زائدة عن المعتاد ، فمالذي جعل ابنك ينزح عن الطريق الحق ؟ وما الذي جعل ابنتك تبحث يمنة ويسرة على شباب لتعاكسهم وتضيع الوقت معهم ؟ ألم توفر لهم أيها الوالد كل ما يتمنونه من أساسيات الحياة ؟ فلماذا تركوك ؟ لماذا استبدلوا غيرك ؟.
أيها الوالد الفاضل اسمح لي أن أقول لك أنهم لم يتركوك بل أنت من تركهم ،أنت من ألقيتهم في غياهب الجب ، أنت من ألقيتهم في اليم مكتوفون الأيدي ثم قلت لهم إياكم أن تبتلوا بالماء !!.
أين أنت عن ابنتك التي تعيش في هيام الحب والغرام ، تبحث عن كلامات معسولة وآهات متألمة محزونه ، فقدَتها في المنزل فخرجت تبحث عنها خارج الديار ، ألم يأتوها الخطاب وأنت من جعلتها تجارة من ورائها الكسب العظيم ، وشروط مكذوبة ما أنزل الله بها سلطان ، اتفق معك أيها الوالد الحبيب أنك تحب ابنتك وتريد أن تأمن مستقبلها بشروط معتادة ومتعارفة وليس فيها تكلف ، لكن قف معي هل ما نراه اليوم في حفلات الزفاف هو من قبيل المعتاد والعرف المتداول ؟.
أين أنت أيها الوالد الحبيب عن معرفة اهتمام أولادك وأهدافهم وطموحاتهم ، ومشاركتهم في رسمها وفق الشريعة الغراء ؟ أين أنت عن إعطاء العاطفة التي فُقدت ودرست معالمَها داخل البيت ؟ أخذت الفتاة تتمنى الرجوع إلى الطفولة من أجل أن تجد شيئا من الرعاية والدلال ، تتمنى الرجوع إلى حياة بلا هدف ، تريد أن ترجع إلى حياة تقوم على تلبية متطلباتها بالصراخ والبكاء ، وما إن تسقط الفتاة في بحر الرذيلة وطلاق الفضيلة ، حتى يركبها اليأس من الحياة ، وتزداد في طريق الغواية ، وما إن يبلغ الوالد ذلك حتى تجده يقول متسائلاً مالذي انقصته عن ابنتي ؟ وفرتها لها كل شيء ، وهو مترسخ في ذهنه بأن المادة والمال هو كل شيء ويظن الأب المسكين بأنه قد عمل لها كل شيء تحتاجه بتوفير المال فقط ؟
وإذا كان الأب فقيرا وحالته ليست بتلك ، فإن ابنته قد تأتي للبيت بأغراض جديدة وقد تكون باهظة الثمن والأب لا يحرك لذلك ساكنا ، وكأن هذا الشيء لا يعنيه ؟ وإذا وجهت له النصح تجده يقول لك ابنتي وانا أثق بها ، وهذه والله حسافة يندى لها الجبين ويتفطر عليها القلب الغيور .
وهذا الابن يدب في الشوارع والطرقات ، كل ساعة في مكان مع رفقة تخاف أنت نفسك أيها الوالد من السير معهم فكيف بابنك وفلذة كبدك ، ومن ثم يقع الابن تحت وطئت المسكرات والمخدرات ، بل ويعظم الأمر فيقع في الفاحشة والرذيلة من أجل توفير المادة من مال ومتاع ، فهو قد تلقى تربية خاطئة كاذبة تُنبأه بأن المال هو الأساس ومن أجله السعي ؟ ومن ثم يدعو ناديه من أجل مشاركته في تلك الرذائل فيغوي الشباب الناشئ بتلك الإغراءات الكاذبة ، وإما أن يبلغ أباه هذا الأمر حتى تجده قد اشتد غضبه وعلى صوته وزمجر وهدد وهو يردد لم يسمع الكلام وهو ابن عاق ، وإلا فإني قد وفرت له كل شيء فما الذي جعله يقع في تلك الرذائل ؟ .ومنها لنا مع الوالد وقفات عدة .
فلا شك من أن هناك أسر هي القدوة في المجتمع ، وهناك أباء حقاً يستحقون أوسمة الوالد المثالي في تربيته وتوجيهه ، ولكن أمر الإصلاح يقتضي منا ذكر السلبيات من أجل إصلاح الخلل والتشييد بالإيجابيات من أجل المحافظة والإبتعاد عن الزلل ، وإنني في هذا المقام سأحاول ذكر نقاط قد تساعدنا جميعاً في بناء أسرة راشدة ، رائدة في طريق الإصلاح والصلاح ، فنأخذ بأيد بعضنا ونوجه بعضنا من أجل أن نُخرج جيلا شامخا بمبادئه ، راسياً في ثوابته ، لا يحب التنقلات المزرية ، ولا التخبطات الآثمة ، فأقول وبه المستعان :
أولاً – أن نغرس في قلوب أبنائنا حب الله ورسوله ، وخدمة هذا الدين الحنيف ، وإنقاذهم من تلك الوسائل التي تسعى ليل نهار جاهدة لغواية شبابنا وانحرافهم عن الجادة ، ولا نلتفت لأقوال المغرضين الذين يريدون تشويه الدين عبر وسائل الإعلام واللعب بعقول شبابنا .
ثانيا – أن تعلم أيها الأب النبيل أن المادة هي وسيلة في هذه الحياة وليست هي الأساس ، فكم من غني لم ينفعه غناه ، وكم من غني لا ينام ليال والأرق قد أخذ منه كل مأخذ ، وكم من فقير هو الآن يشار إليه بالبنان ، وإن تربية أبنائنا لابد أن تكون مبنية على العلم والمعرفة ، وإكمال الدراسة ، لنقلل من تلك التجمعات التي ليس من ورائها إلا كل بلاء وخيبة ، حتى أن نسائنا أصبحن في أحيان كثيرة لا يستطيعون المرور بسبب ما يتعرضن له من مضيقات من أولئك الصبية ، وإن الله عزوجل لم يفضل صاحب المال والجاه بل جاء التفضيل في القرآن لصاحب العلم والمعرفة ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ الزمر: ٩، .
ثالثاً- الحب والعاطفة داخل المنزل ، لا بد أن تكون ركيزة أساسية في تربيتنا ، فإن أكثر أسباب الانحراف ولجوا الأبناء إلى خارج المنزل يرجع لفقدهم لهذا العنصر الفعال ، وإن بناتنا لهم أحوج إلى ذلك من غيرهم ولا يعني ذلك إهمال الولد من هذه الناحية ، ولكن أعطي كل ذي حق حقه . فهذا رسول البشرية كان إذا قدمت فاطمة إلى مجلسه قام وقبلها بين عينيها ، وهو أيضاً الذي كان يكني الصبية فكان يقول لصبي يا أبا عمير ما فعل النغير من أجل أن يشعره بالمسئولية .
رابعاً – إن إعطاء الحرية للولد والبنت في ممارسة حياتهم الدنيوية بالطريقة التي تحلو لهم مهم جداً ، ولكن للأسف أن هذا المفهوم قد اختلط في مفاهيم كثير من الناس ، فأصبحت الحرية عنده ، أن يجعلهم أمام شاشات التلفاز التي تبث كل قبيح ، ويزعم أن هذا من باب الحرية ، وابنته تكلم الساعات الطوال وهو لا يتجرأ فقط أن يسألها مجرد سؤال مع من تتحدثين ، زعما منه أن هذه هي الحرية ،ونسي قولة الرسول الكريم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ...) والأب بلا شك ولا امتراء أنه قادر على التغيير باليد ، وما علم هذا الأب أن الحرية أن يتصرف أحدنا داخل المعقول وإطار الشريعة الغراء ، وأن من الحرية أن يأخذ الابن على يد ابنه إذا كان هناك مهلكة حتى ينجيه في الدنيا والآخرة .
خامساً – الحرص على صحبة الأبناء وأن تكون صالحة وألا يكتفي بذلك بل يكونوا أصحاب همم في المستقبل وأهداف مرسومة ، ولا يعني ذلك أن يكون الأب على الابن جهازا استخباراتيا ، ولكن لتكون مرشداً مصلحاً لهم ، وذلك بالمراقبة الخفية حتى لا يقع في المهلكة فيما بعد.
سادساً- جعل الابن هو من يحدد مستقبله وأهدافه في الحياة ، وما عليك أيها الأب الفاضل إلا أن تساعده في رسم الخطط المستقبلية من أجل أن يصل إلى أهدافه ومطالبه .
سابعاً- عليك أيها الأب الفاضل ، إبرام صفقة وعلاقة حميمة بين أبنائك وبينك وعلاقة زمالة قائمة على الاحترام والإجلال ، بدل السيطرة والاضطهاد فليس كل خطأ من الابن يستحق عليه الضرب ، بل إن كثيرا من الأخطاء يكفي منك أيها الأب الكلمة الطيبة والنصيحة الراشدة ، أو التوبيخ بألفاظ تبث فيه روح الحماسة وتنير له طريق هدفه ووجوده في الحياة .
ثامناً – أن تعلم أيها الوالد أن كثيراً من الأعلام البارزين ومن الذين أصبحوا لهم صيتاً عالياً في المجتمع ، قد مرورا في أزمات ومآسي ، فلا تظن أن كل أولئك كانوا في عيش هانئ ورغد من الحياة ، فإن كان الله فتح عليك في الدنيا فيجب عليك أن تتوازن في تدليل ابنك ، بل اختبره واجعله يمر بالأزمات كي يشعر بالمسئولية ، فالأزمات والصعاب ، هي التي تخرج أجيالاً يعملون ولا يملون أو يكلون ، أجيال عبارة عن طاقات متفجرة ، وعقول مدبرة .
فالنجاح الحقيقي يكمن في المحاولة الصادقة الجادة . ولنحذر من خيانة الرخاء ، وإن كنت ممن ابتلاه الله في الدنيا بقلة ذات اليد والفقر ، فلا تيأس من إنجاح ابنك وكن له الموجه والمرشد في الأزمات ولا تمل من أن تذكره أنها هي التي تخرج العظماء.
تاسعاً – لتعلم أيها الأب الفاضل أن الجلسات الأسرية التي يعقدها الوالدان مع الأولاد لها تأثير إيجابي في حياة الفرد ، فمناقشتك لأولادك في أمور تهمهم يزيد من مقدار المسئولية عندهم ، ومشاركتك لهم في مآسيهم ترفع قدرك لديهم ، واحترمك للآرائهم يجعلهم مبدعين في حياتهم ، ولكن لابد أن يكون الدين أساسي في الحياة ، ولا يعني ذلك أن تكون كل الجلسة الأسرية تُقضى في حل المشاكل ، بل عليك من تطوير القدرات عندهم وتنمية المواهب لديهم .
عاشراً- لابد أن تتفطن أيها الوالد العزيز عن كل جديد يدخله الأبناء إلى المنزل وسؤالهم من أين اكتسبوه وفيما سينفقوه ، ولكن سؤالهم بطريقة لا تسلب الثقة منهم ، ولكن إذا بلغ الأمر عندك إلى درجة الظن فليكن الحزم مصاحباًُ لك والعقاب عند الحاجة .
فكم من بنات يملكون حاجيات وعند الفحص يجد أنها قد ارتكبت المنكرات وأن الأمر قد بلغ الزبا .
الحادي عشر – توجيه الأبناء إلى تلك المحاضن الخيرة من حلقات ومراكز ، فإنه يختلط بأصناف المجتمع وأنت مطمئن ومرتاح البال عليه ، ولا تصدقوا ما تنقله وسائل الإعلام عن تلك المحاضن فإنه زور وبهتان ، إذ الواقع يكذب ذلك فكم مممن نراهم اليوم يعدون من المشاهير لم يخرجوا إلا من تلك المحاضن ، قبح الله الظلم والافتراء.
الثاني عشر – حاول أن تربط الأسرة بالمجتمع وأن لا تعزلهم عن مجتمعاتهم ، حتى لا تفقدهم في كبرهم بسبب سخطهم عليك ، بأنك قد ضيقت عليهم الخناق ، ولكن ليكن ذلك على بصيرة ، فلا إفراط ولا تفريط ، يخرجون إلى الشارع ولكن في ساعات محددة وفي أوقات معقولة ومع رفقة معروفة لا خفاء فيها ، فمن المؤسف أن ترى صبية في أوقات متأخرة يسرحون ويمرحون ، فأين أبائهم عنهم ألا يخافوا عليهم أين هي رحمة الأبوه ، أم تأتي الرحمة إذا كانوا في جلسة مباركة حينها تجد الوالد يسأل ويستفسر وابنه في كل الساعات في هذه الشوارع المخزية .
الثالث عشر – حاول أيها الأب ألا تظهر لأبنائك بصورة مثالية رائدة ، وأنك الأب المثالي في حياتك ، بل بين لهم أخطاءك حتى يستفيدوا منها ولا يقعوا في الكرة مرة أخرى .
هذا ما أسعفتني به الذاكرة ، ووفقني الله لقوله ، وحسبنا من القلادة ما أحاطت بالعنق.
لننظر ولنتأمل عزوف كثير من الآباء والأمهات عن أبنائهم ، واشتغالهم بالدنيا بطريقة مسرفة وزائدة عن الحد المطلوب ، فهو يتصور كل التصور ، بأن إقامة الأسرة الناضجة هو عبر عبير المادة والمال ، وآخرون ابتلاهم الله بقلة المال فأخذ يربي أبنائه على جمعه واكتسابه بكل طريقة حتى ولو كانت محرمة ، وأنه هو الهدف الأساسي والركيزة الأصلية في بنية المجتمع التحتية ، فوقعت كل العائلة في المخدرات والمسكرات فالأب والابن كلهم في تلك التجارة البخيسة ،وإن الألم ليعتصر أحدنا ماهو مصير البنات في ذلك البيت ، فتهافت الغرباء عليه يوحي لك بشر قريب مستطير ، سيحاسب الوالد أشدَ المحاسبة وسيندم أشدَ الندم ولات حين مندم ، وعند سيطرة ثقافة المال على عقول الأباء ماذا ترجو منهم للعمل في أسرهم والاهتمام بهم .
فهذا رجل لا يراه أولادُه إلا أندر من النادر ، فيظهر جليا لهم عند نهاية الشهر من أجل جباية الأموال من الأولاد وجمهعا ، ليغرقوا بعد ذلك في الديون التي لا طاقة لهم بتحملها ،
فكم من ابن قد ترك عمله ومصدر رزقه بسبب أباه ؟ الذي قد بلغ في الجشأ والطمع أقصاه، وتناسى الوالد أن هذا الابن مثله يطمح في إقامة أسرة متكاملة هو من يجمع شتاتها .
ولا نغفل جانبا وهو أن التقصير حاصل من جهة الأبناء مع أبائهم ولكن ما هو السبب في هذا التقصير ؟ أسأل نفسك أيها الأب الفاضل أسألي نفسك أيتها الأم العطوفة ، قفوا مع أنفسكم وقفة صادقة صارمة وتفحصوا ما هو السبب وراء تقصير الأبناء ، كثير من الأباء يتسائل وفرت لهم كل شيء ، فماذا يريدون مني ، وأنا أسأله ماهو السبب في انحراف ابنك ؟ ما هو السبب في انحراف ابنتك ؟ علاقات محرمة ومكالمات هاتفية طويلة مزيفة ، جلوس أمام أجهزة الحاسب مدة زائدة عن المعتاد ، فمالذي جعل ابنك ينزح عن الطريق الحق ؟ وما الذي جعل ابنتك تبحث يمنة ويسرة على شباب لتعاكسهم وتضيع الوقت معهم ؟ ألم توفر لهم أيها الوالد كل ما يتمنونه من أساسيات الحياة ؟ فلماذا تركوك ؟ لماذا استبدلوا غيرك ؟.
أيها الوالد الفاضل اسمح لي أن أقول لك أنهم لم يتركوك بل أنت من تركهم ،أنت من ألقيتهم في غياهب الجب ، أنت من ألقيتهم في اليم مكتوفون الأيدي ثم قلت لهم إياكم أن تبتلوا بالماء !!.
أين أنت عن ابنتك التي تعيش في هيام الحب والغرام ، تبحث عن كلامات معسولة وآهات متألمة محزونه ، فقدَتها في المنزل فخرجت تبحث عنها خارج الديار ، ألم يأتوها الخطاب وأنت من جعلتها تجارة من ورائها الكسب العظيم ، وشروط مكذوبة ما أنزل الله بها سلطان ، اتفق معك أيها الوالد الحبيب أنك تحب ابنتك وتريد أن تأمن مستقبلها بشروط معتادة ومتعارفة وليس فيها تكلف ، لكن قف معي هل ما نراه اليوم في حفلات الزفاف هو من قبيل المعتاد والعرف المتداول ؟.
أين أنت أيها الوالد الحبيب عن معرفة اهتمام أولادك وأهدافهم وطموحاتهم ، ومشاركتهم في رسمها وفق الشريعة الغراء ؟ أين أنت عن إعطاء العاطفة التي فُقدت ودرست معالمَها داخل البيت ؟ أخذت الفتاة تتمنى الرجوع إلى الطفولة من أجل أن تجد شيئا من الرعاية والدلال ، تتمنى الرجوع إلى حياة بلا هدف ، تريد أن ترجع إلى حياة تقوم على تلبية متطلباتها بالصراخ والبكاء ، وما إن تسقط الفتاة في بحر الرذيلة وطلاق الفضيلة ، حتى يركبها اليأس من الحياة ، وتزداد في طريق الغواية ، وما إن يبلغ الوالد ذلك حتى تجده يقول متسائلاً مالذي انقصته عن ابنتي ؟ وفرتها لها كل شيء ، وهو مترسخ في ذهنه بأن المادة والمال هو كل شيء ويظن الأب المسكين بأنه قد عمل لها كل شيء تحتاجه بتوفير المال فقط ؟
وإذا كان الأب فقيرا وحالته ليست بتلك ، فإن ابنته قد تأتي للبيت بأغراض جديدة وقد تكون باهظة الثمن والأب لا يحرك لذلك ساكنا ، وكأن هذا الشيء لا يعنيه ؟ وإذا وجهت له النصح تجده يقول لك ابنتي وانا أثق بها ، وهذه والله حسافة يندى لها الجبين ويتفطر عليها القلب الغيور .
وهذا الابن يدب في الشوارع والطرقات ، كل ساعة في مكان مع رفقة تخاف أنت نفسك أيها الوالد من السير معهم فكيف بابنك وفلذة كبدك ، ومن ثم يقع الابن تحت وطئت المسكرات والمخدرات ، بل ويعظم الأمر فيقع في الفاحشة والرذيلة من أجل توفير المادة من مال ومتاع ، فهو قد تلقى تربية خاطئة كاذبة تُنبأه بأن المال هو الأساس ومن أجله السعي ؟ ومن ثم يدعو ناديه من أجل مشاركته في تلك الرذائل فيغوي الشباب الناشئ بتلك الإغراءات الكاذبة ، وإما أن يبلغ أباه هذا الأمر حتى تجده قد اشتد غضبه وعلى صوته وزمجر وهدد وهو يردد لم يسمع الكلام وهو ابن عاق ، وإلا فإني قد وفرت له كل شيء فما الذي جعله يقع في تلك الرذائل ؟ .ومنها لنا مع الوالد وقفات عدة .
فلا شك من أن هناك أسر هي القدوة في المجتمع ، وهناك أباء حقاً يستحقون أوسمة الوالد المثالي في تربيته وتوجيهه ، ولكن أمر الإصلاح يقتضي منا ذكر السلبيات من أجل إصلاح الخلل والتشييد بالإيجابيات من أجل المحافظة والإبتعاد عن الزلل ، وإنني في هذا المقام سأحاول ذكر نقاط قد تساعدنا جميعاً في بناء أسرة راشدة ، رائدة في طريق الإصلاح والصلاح ، فنأخذ بأيد بعضنا ونوجه بعضنا من أجل أن نُخرج جيلا شامخا بمبادئه ، راسياً في ثوابته ، لا يحب التنقلات المزرية ، ولا التخبطات الآثمة ، فأقول وبه المستعان :
أولاً – أن نغرس في قلوب أبنائنا حب الله ورسوله ، وخدمة هذا الدين الحنيف ، وإنقاذهم من تلك الوسائل التي تسعى ليل نهار جاهدة لغواية شبابنا وانحرافهم عن الجادة ، ولا نلتفت لأقوال المغرضين الذين يريدون تشويه الدين عبر وسائل الإعلام واللعب بعقول شبابنا .
ثانيا – أن تعلم أيها الأب النبيل أن المادة هي وسيلة في هذه الحياة وليست هي الأساس ، فكم من غني لم ينفعه غناه ، وكم من غني لا ينام ليال والأرق قد أخذ منه كل مأخذ ، وكم من فقير هو الآن يشار إليه بالبنان ، وإن تربية أبنائنا لابد أن تكون مبنية على العلم والمعرفة ، وإكمال الدراسة ، لنقلل من تلك التجمعات التي ليس من ورائها إلا كل بلاء وخيبة ، حتى أن نسائنا أصبحن في أحيان كثيرة لا يستطيعون المرور بسبب ما يتعرضن له من مضيقات من أولئك الصبية ، وإن الله عزوجل لم يفضل صاحب المال والجاه بل جاء التفضيل في القرآن لصاحب العلم والمعرفة ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ الزمر: ٩، .
ثالثاً- الحب والعاطفة داخل المنزل ، لا بد أن تكون ركيزة أساسية في تربيتنا ، فإن أكثر أسباب الانحراف ولجوا الأبناء إلى خارج المنزل يرجع لفقدهم لهذا العنصر الفعال ، وإن بناتنا لهم أحوج إلى ذلك من غيرهم ولا يعني ذلك إهمال الولد من هذه الناحية ، ولكن أعطي كل ذي حق حقه . فهذا رسول البشرية كان إذا قدمت فاطمة إلى مجلسه قام وقبلها بين عينيها ، وهو أيضاً الذي كان يكني الصبية فكان يقول لصبي يا أبا عمير ما فعل النغير من أجل أن يشعره بالمسئولية .
رابعاً – إن إعطاء الحرية للولد والبنت في ممارسة حياتهم الدنيوية بالطريقة التي تحلو لهم مهم جداً ، ولكن للأسف أن هذا المفهوم قد اختلط في مفاهيم كثير من الناس ، فأصبحت الحرية عنده ، أن يجعلهم أمام شاشات التلفاز التي تبث كل قبيح ، ويزعم أن هذا من باب الحرية ، وابنته تكلم الساعات الطوال وهو لا يتجرأ فقط أن يسألها مجرد سؤال مع من تتحدثين ، زعما منه أن هذه هي الحرية ،ونسي قولة الرسول الكريم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ...) والأب بلا شك ولا امتراء أنه قادر على التغيير باليد ، وما علم هذا الأب أن الحرية أن يتصرف أحدنا داخل المعقول وإطار الشريعة الغراء ، وأن من الحرية أن يأخذ الابن على يد ابنه إذا كان هناك مهلكة حتى ينجيه في الدنيا والآخرة .
خامساً – الحرص على صحبة الأبناء وأن تكون صالحة وألا يكتفي بذلك بل يكونوا أصحاب همم في المستقبل وأهداف مرسومة ، ولا يعني ذلك أن يكون الأب على الابن جهازا استخباراتيا ، ولكن لتكون مرشداً مصلحاً لهم ، وذلك بالمراقبة الخفية حتى لا يقع في المهلكة فيما بعد.
سادساً- جعل الابن هو من يحدد مستقبله وأهدافه في الحياة ، وما عليك أيها الأب الفاضل إلا أن تساعده في رسم الخطط المستقبلية من أجل أن يصل إلى أهدافه ومطالبه .
سابعاً- عليك أيها الأب الفاضل ، إبرام صفقة وعلاقة حميمة بين أبنائك وبينك وعلاقة زمالة قائمة على الاحترام والإجلال ، بدل السيطرة والاضطهاد فليس كل خطأ من الابن يستحق عليه الضرب ، بل إن كثيرا من الأخطاء يكفي منك أيها الأب الكلمة الطيبة والنصيحة الراشدة ، أو التوبيخ بألفاظ تبث فيه روح الحماسة وتنير له طريق هدفه ووجوده في الحياة .
ثامناً – أن تعلم أيها الوالد أن كثيراً من الأعلام البارزين ومن الذين أصبحوا لهم صيتاً عالياً في المجتمع ، قد مرورا في أزمات ومآسي ، فلا تظن أن كل أولئك كانوا في عيش هانئ ورغد من الحياة ، فإن كان الله فتح عليك في الدنيا فيجب عليك أن تتوازن في تدليل ابنك ، بل اختبره واجعله يمر بالأزمات كي يشعر بالمسئولية ، فالأزمات والصعاب ، هي التي تخرج أجيالاً يعملون ولا يملون أو يكلون ، أجيال عبارة عن طاقات متفجرة ، وعقول مدبرة .
فالنجاح الحقيقي يكمن في المحاولة الصادقة الجادة . ولنحذر من خيانة الرخاء ، وإن كنت ممن ابتلاه الله في الدنيا بقلة ذات اليد والفقر ، فلا تيأس من إنجاح ابنك وكن له الموجه والمرشد في الأزمات ولا تمل من أن تذكره أنها هي التي تخرج العظماء.
تاسعاً – لتعلم أيها الأب الفاضل أن الجلسات الأسرية التي يعقدها الوالدان مع الأولاد لها تأثير إيجابي في حياة الفرد ، فمناقشتك لأولادك في أمور تهمهم يزيد من مقدار المسئولية عندهم ، ومشاركتك لهم في مآسيهم ترفع قدرك لديهم ، واحترمك للآرائهم يجعلهم مبدعين في حياتهم ، ولكن لابد أن يكون الدين أساسي في الحياة ، ولا يعني ذلك أن تكون كل الجلسة الأسرية تُقضى في حل المشاكل ، بل عليك من تطوير القدرات عندهم وتنمية المواهب لديهم .
عاشراً- لابد أن تتفطن أيها الوالد العزيز عن كل جديد يدخله الأبناء إلى المنزل وسؤالهم من أين اكتسبوه وفيما سينفقوه ، ولكن سؤالهم بطريقة لا تسلب الثقة منهم ، ولكن إذا بلغ الأمر عندك إلى درجة الظن فليكن الحزم مصاحباًُ لك والعقاب عند الحاجة .
فكم من بنات يملكون حاجيات وعند الفحص يجد أنها قد ارتكبت المنكرات وأن الأمر قد بلغ الزبا .
الحادي عشر – توجيه الأبناء إلى تلك المحاضن الخيرة من حلقات ومراكز ، فإنه يختلط بأصناف المجتمع وأنت مطمئن ومرتاح البال عليه ، ولا تصدقوا ما تنقله وسائل الإعلام عن تلك المحاضن فإنه زور وبهتان ، إذ الواقع يكذب ذلك فكم مممن نراهم اليوم يعدون من المشاهير لم يخرجوا إلا من تلك المحاضن ، قبح الله الظلم والافتراء.
الثاني عشر – حاول أن تربط الأسرة بالمجتمع وأن لا تعزلهم عن مجتمعاتهم ، حتى لا تفقدهم في كبرهم بسبب سخطهم عليك ، بأنك قد ضيقت عليهم الخناق ، ولكن ليكن ذلك على بصيرة ، فلا إفراط ولا تفريط ، يخرجون إلى الشارع ولكن في ساعات محددة وفي أوقات معقولة ومع رفقة معروفة لا خفاء فيها ، فمن المؤسف أن ترى صبية في أوقات متأخرة يسرحون ويمرحون ، فأين أبائهم عنهم ألا يخافوا عليهم أين هي رحمة الأبوه ، أم تأتي الرحمة إذا كانوا في جلسة مباركة حينها تجد الوالد يسأل ويستفسر وابنه في كل الساعات في هذه الشوارع المخزية .
الثالث عشر – حاول أيها الأب ألا تظهر لأبنائك بصورة مثالية رائدة ، وأنك الأب المثالي في حياتك ، بل بين لهم أخطاءك حتى يستفيدوا منها ولا يقعوا في الكرة مرة أخرى .
هذا ما أسعفتني به الذاكرة ، ووفقني الله لقوله ، وحسبنا من القلادة ما أحاطت بالعنق.